كَلَّمَ يَسُوعُ الجُمُوعَ وتَلامِيْذَهُ
قَائِلاً: «على كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسِيُّون.
فَٱعْمَلُوا بِكُلِّ مَا يَقُولُونَهُ لَكُم وٱحْفَظُوه، ولكِنْ مِثْلَ أَعْمَالِهِم لا تَعْمَلُوا. فَهُم يَقُولُونَ ولا يَعْمَلُون.
إِنَّهُم يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَة، ويَضَعُونَها عَلى أَكْتَافِ النَّاس، وهُم لا يُرِيْدُون أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبَعِهِم.
وجَمِيْعُ أَعْمَالِهِم يَعْمَلُونَها لِيَرَاهُمُ النَّاس: يُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُم، ويُطَوِّلُونَ أَطْرَافَ ثِيَابِهِم،
ويُحِبُّونَ مَقَاعِدَ الشَّرَفِ في الوَلائِم، وصُدُورَ المَجَالِسِ في المَجَامِع،
والتَّحِيَّاتِ في السَّاحَات، وأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ : رَابِّي!
أَمَّا أَنْتُم فلا تَقْبَلُوا أَنْ يَدْعُوَكُم أَحَدٌ: رَابِّي! لأَنَّ مُعَلِّمَكُم وَاحِد، وَأَنْتُم جَمِيعُكُم إِخْوَة.
ولا تَدْعُوا لَكُم على الأَرْضِ أَبًا، لأَنَّ أَبَاكُم وَاحِد، وهُوَ الآبُ السَّمَاوِيّ.
ولا تَقْبَلُوا أَنْ يَدْعُوَكُم أَحَدٌ مُدَبِّرين، لأَنَّ مُدَبِّرَكُم وَاحِد، وهُوَ المَسِيح.
وَلْيَكُنِ الأَعْظَمُ بَينَكُم خَادِمًا لَكُم.
فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يُوَاضَع، ومَنْ يُوَاضِعْ نَفْسَهُ يُرْفَع.
حَوْلَ ٱسْتِحَالَةِ فَهْمِ ٱللَّهِ، ٥، ٦-٧؛ PG 48, 745
لَا يُوجَدُ أَيُّ تَوَاضُعٍ فِي أَنْ يَعْتَبِرَ ٱلْمَرْءُ نَفْسَهُ خَاطِئًا إِنْ كَانَ فِعْلًا كَذٰلِكَ٠ بَلْ إِنَّ ٱلتَّوَاضُعَ هُوَ أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِنَفْسِهِ ذَاكَ ٱلَّذِي يَعْلَمُ بِأَنَّهُ قَامَ بإنْجَازِ ٱلْعَدِيدِ مِنَ ٱلْأُمُورِ ٱلْعَظِيمَةِ؛ بَلْ يَكُونُ عَلَىٰ غِرَارِ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلَّذِي قَالَ: "فَإِنِّي لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي"٠ ثُمَّ أَضَافَ قَائِلًا: "لٰكِنَّنِي لَسْتُ بِذٰلِكَ مُبَرَّرًا، وَلٰكِنَّ ٱلَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ ٱلرَّبُّ" (١كُور ٤: ٤)٠ وَقَالَ أَيْضًا: "إِنَّ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَىٰ ٱلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ ٱلْخُطَاةَ ٱلَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (١تم ١: ١٥)٠ هٰذَا هُوَ ٱلتَّوَاضُعُ: أَنْ نَتَوَاضَعَ بِٱلرُّوحِ عَلَىٰ ٱلرَّغْمِ مِنْ عَظَمَةِ أَعْمَالِنَا٠إِنَّ ٱلرَّبَّ بِسَبَبِ حُبِّهِ ٱلْلَّامُتَنَاهِي لِلْإِنْسَانِ يَسْتَقْبِلُ، لَيْسَ فَقَطْ مَن يَتَوَاضَعُ بِهٰذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ، بَلْ أَيْضًا مَن يَعْتَرِفُ صَرَاحَةً بِأَخْطَائِهِ، وَيُظْهِرُ ٱلْعَطْفَ وَٱلرِّعَايَةَ لِمَن يَتَصَرَّفُ بِهٰذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ٠ وَحَتَّىٰ تَعْرِفَ كَمْ هُوَ جَيِّدٌ أَنْ لَا تَعْتَدَّ بِنَفْسِكَ، تَخَيَّلْ نَفْسَكَ أَمَامَ عَرَبَتَيْنِ: ٱرْبِطْ إِلَىٰ ٱلْأُولَىٰ ٱلْفَضِيلَةَ وَٱلْإِعْتِزَازَ، وَإِلَىٰ ٱلثَّانِيَةِ ٱلْخَطِيئَةَ وَٱلتَّوَاضُعَ٠ سَتَرَىٰ عَرَبَةَ ٱلْخَطِيئَةِ تَتَجَاوَزُ عَرَبَةَ ٱلْفَضِيلَةِ، لَيْسَ بِقُدْرَتِهَا، بَلْ بِقُدْرَةِ ٱلتَّوَاضُعِ ٱلَّذِي يُرَافِقُهَا، وَسَتَرَىٰ ٱلْعَرَبَةَ ٱلْأُخْرَىٰ مُتَأَخِّرَةً، لَيْسَ بِسَبَبِ ضَعْفِ ٱلْفَضِيلَةِ، بَلْ نَتِيجَةً لِوَزْنِ ٱلْكِبْرِيَاءِ وَضَخَامَتِهِ٠وَبِٱلْفِعْلِ، كَمَا يَتَغَلَّبُ ٱلتَّوَاضُعُ عَلَىٰ ثِقَلِ ٱلْخَطِيئَةِ بِفَضْلِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ قُوَّةٍ هَائِلَةٍ عَلَى ٱلِٱرْتِفَاعِ وَيُصْبِحُ ٱلسَّبَّاقَ فِي ٱلصُّعُودِ إِلَىٰ ٱلسَّمَاءِ، فَإِنَّ ٱلْكِبْرِيَاءَ بِسَبَبِ ثِقَلِ وَزْنِهِ وَضَخَامَتِهِ يَتَغَلَّبُ عَلَىٰ خِفَّةِ ٱلْفَضِيلَةِ وَيَجُرُّهَا بِسُهُولَةٍ إِلَىٰ ٱلْأَسْفَلِ٠
#شربل سكران بالله